الأخبار من أجواء الامتحانات في كلية العلوم السياسية بجامعة دمشق || في اجتماع هيئة مكتب الشباب المركزي.. الرفيق د. ساعاتي: ما نمر به اليوم هو نتيجة الإرهاب وتدمير البنى التحتية الممنهج أولآ، والاحتلال وسرقة الثروات بأيدي مرتزقته ثانياً.. || سورية تحصل على وسام الإبداع والتميز في الإمارات العربية المتحدة || جامعة حماة تعلن عن مفاضلة ملء الشواغر في برنامجي رياض الأطفال والتسويق والتجارة الالكترونية بالتعليم المفتوح || مشاركة فرع الهند للاتحاد الوطني لطلبة سورية في احتفالات يوم الجمهورية في الهند || وزارة التعليم العالي تحدد مواعيد اختبار المقدرة اللغوية للقيد في درجة الماجستير في الجامعات السورية لهذا العام || بمشاركة 120 طالباً فرع اتحاد الطلبة يقيم حملة تشجير بالسويداء || المهندسة ندى محمد تصمم جهاز رذاذ طبياً منزلياً في مشروع تخرجها من كلية الهندسة الطبية || 15 ألف طالب وطالبة يتقدمون لامتحانات الفصل الدراسي الأول في كلية الحقوق || جولة امتحانية في السويداء || مستفيداً من مرسوم المستنفذين الذي أصدره الرئيس الأسد سابقاً…. موقع اتحاد الطلبة يلتقي الطالب “حمادة” الذي عمل “حارساً “وتخرج “طبيباً” || اختتام دورة فن التصوير التي يقيمها فرع حلب لاتحاد الطلبة || جامعة دمشق تصدر نتائج مفاضلة ملء الشواغر في الدراسات العليا للطلاب العرب والأجانب || عبر الرقم الجامعي كلية الآداب تنشر نتائج الامتحانات الكترونياً ….والعميد : أصدرنا نتائج 110 مواد حتى الآن || أنواع الكميرات …ضمن دورة التصوير بفرع حلب لاتحاد الطلبة || التعليم العالي تمدد قبول طلبات التقدم للمفاضلة الموحدة لخريجي كليات الطب || بحث طبي سوري يفوز بجائزة عالمية || وزير التعليم العالي يتفقد سير الامتحانات بجامعة الفرات || فرع حلب لاتحاد الطلبة يقيم دورة في التصوير الفوتوغرافي || بينها إعادة تأهيل الوحدة السكنية الأولى بجامعة الفرات ومشروع توسيع كلية العلوم في الجامعة… رئيس الحكومة يطلق عدد من المشروعات الخدمية والتنموية بدير الزور ||

اللقاء الحواري لوزير الخارجية والمغتربين الدكتور  فيصل المقداد مع طلبة  جامعة دمشق 

أقام المكتب التنفيذي للاتحاد الوطني لطلبة سورية لقاءاً حوارياً مع الدكتور  فيصل المقداد ، وزير الخارجية والمغتربين وطلبة جامعة دمشق بحضور الأستاذ الدكتور  بسام إبراهيم وزير التعليم العالي والبحث العلمي ، والزميلة  دارين سليمان رئيسة الاتحاد الوطني لطلبة سورية ، ود.  خالد حلبوني أمين فرع الجامعة ، ود.  أسامة الجبّان رئيس جامعة دمشق وعدد من القيادات الحزبية والتدريسية والطلابية وحشد غفير من طلاب الجامعة وذلك صباح اليوم في مدرج الجامعة بتاريخ 02 آذار 2022 .
وفيما يلي نص اللقاء كاملاً :
اسمحوا لي أن أعبِّر بدايةً عن سروري وفخري بأن أزور هذا الصرح العلمي والحضاري بين الفينة والأخرى ، ولي بينكم هنا – كما تعلمون – أصدقاء وزملاء تربطنا علاقاتٌ وثيقة لا تنقطع مهما أخذتنا مشاغل العمل ، ومنهم من تشاطرت معه مقاعد الدراسة في كلية الآداب لسنوات طويلة ، حين خضنا سويةً الكثير من التجارب القيمة والفاعلة في مجال النشاط العلمي والبحثي والحزبي ، ناهيك عن ذكرياتنا التي لا تنسى في الاتحاد الوطني لطلبة سورية ، الذي أفخر بأني كنت وسأبقى أنتمي له .
في الحقيقة، أنا مؤمن بأن الحوار والنقاش الذي يدور في المنابر الأكاديمية يحمل دائماً الفائدة لكل المنخرطين فيه ، بل ويخرج بنتائج وتوصيات واستخلاصات تدعم العمل والخطط الحكومية ، وتحظى باهتمام صانع القرار في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية … ولنا جميعاً أن نفخر دوماً بكلمات السيد الرئيس #بشار_الأسد من على هذا المنبر حين وصف هذه الجامعة العريقة بأنها ” جامعته الأم التي احتضنت منذ عشرات السنين طلائع الشباب في سورية والوطن العربي ، وخرَّجت خيرة الكفاءات العلمية والإدارية والسياسية التي تنتشر في مواقع العمل والعطاء وتعمل على نهضة بلادنا وتقدمها “.
أنا على قناعةٍ كاملة بأن الحوار في هذه المؤسسة العلمية الوطنية ، سيأخذنا نحو العديد من القضايا والتحديات المتشابكة والمتفاعلة ، والمرتبطة بالشأن الوطني والإقليمي والدولي ، ولا سيما أننا نمر اليوم في واحدةٍ من اللحظات التاريخية الفارقة نتيجة الوضع الحالي في أوكرانيا ، ودعوني أنطلق في حديثي معكم اليوم مما قاله سيادة الرئيس بشار الأسد للرئيس فلاديمير بوتين خلال اتصالهما الهاتفي يوم الجمعة الفائت ، وأقتبس : ” ما يحصل اليوم هو تصحيحٌ للتاريخ وإعادةٌ للتوازن إلى العالم الذي فقده بعد تفكك الاتحاد السوفياتي . إن الهستيريا الغربية تأتي من أجل إبقاء التاريخ في المكان الخاطئ لصالح الفوضى ، وروسيا اليوم لا تدافع عن نفسها فقط وإنما عن العالم وعن مبادئ العدل والإنسانية “… انتهى الاقتباس ..
إذاً ، في معرفة التاريخ تكمن معرفة الحقيقة ومعرفة الأبعاد الحقيقية لكل أزمة ، والكشف عن دوافع الأطراف المنخرطة فيها ، الخفية منها والمعلنة . وحين نتحدث عن الدوافع الخفية تحديداً ، يتضح الفارق الأخلاقي والقانوني والسياسي الشاسع بين الغرب ممثلاً بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ، والشرق ممثلاً بقوى بارزة في مقدمتها روسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية .
نحن في سورية من أكثر الدول التي خبرت الغرب وخبرت نفاقه ، فهو لا يجد غضاضةً في الجمع بين شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان ، وبين ممارسات الاحتلال والعدوان ودعم الاحتلال والتهديد باستخدام القوة والتوسع ، وتسخير الإرهاب والسلاح والحصار الاقتصادي ، وفرض النفوذ السياسي على أراضي بعض الدول وعلى حكوماتها ، من أجل نشر الفوضى وتهديد السلم والأمن في أي مكان ، وتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية وعسكرية خاصة وأنانية لا يمكن أن تحمل بالنتيجة خيراً وأماناً ورفاهاً لعالمنا وشعوبنا .
وبالعودة للحديث عن التاريخ ، يمكن لنا أن نختار لحظة تفكك الاتحاد السوفيتي كنقطة البداية لفهم تسلسل الأحداث الذي أدى إلى ما نشهده اليوم، ولا سيما عندما بدأت جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة تتمتع بحقوقٍ متكافئة وتتبادل الاعتراف لبعضها البعض بالسيادة والاستقلال . في تلك الفترة التي أعقبت التفكك ، ورغم اعتراف الاتحاد الروسي بالحقائق الجيوسياسية الجديدة واعترافه برابطة الدول المستقلة ، فإن السلطات الأوكرانية أرادت التمتع بالحقوق والمزايا دون التقيد بأي التزامات .
في المقابل ، اعترفت روسيا الاتحادية برابطة الدول المستقلة ، ومدَّت اليد للشركاء فيها بما في ذلك في أوكرانيا ، بل أستطيع القول إن روسيا الاتحادية قدَّمت أموالاً طائلة في ميزانية الحكومة الأوكرانية بين العامين 1991 و 2013 يقدرها الخبراء بــ250 مليار دولار ، من أجل مساعدة هذا البلد على أن يخطو بثبات في طريق الاستقلال الحقيقي من جهة ، ومن أجل أن لا تنتصر في هذا البلد التيارات المتطرفة التي كانت تنتظر اللحظة المناسبة لفك كل أشكال الارتباط مع روسيا والارتماء في الحضن الأمريكي .
عبر السنوات التي أعقبت تفكك جمهوريات الاتحاد السوفيتي ، كان طلب موسكو واضحاً من كييف ، وهو أن تحترم حقائق التاريخ والجغرافيا ، وأن تمتنع عن أية إجرءاتٍ أو ممارسات انتقامية ضد الروس المقيمين عبر التاريخ في الأراضي الأوكرانية ، ولا سيما في القرم ودونيتسك ولوغانسك ، وأن تلتزم كييف بمبادئ الحياد وحسن الجوار ، وأن لا تسمح حكوماتها لأي طرفٍ خارجي باستخدام الأرض الأوكرانية كذراعٍ يستهدف أمن واستقرار ورفاه روسيا الاتحادية وحلفائها في تلك المنطقة من العالم.
للأسف ، لم يطل الوقت كثيراً حتى بدأت الحكومات الأوكرانية المتعاقبة بتبني سياسات سلبية وخطيرة تجاه الجار التاريخي روسيا ، كانت قائمةً على إنكار كل ما يوحد الشعبين في أوكرانيا وروسيا . بل وحاول العديد من الزعماء والأحزاب السياسية المتطرفة في أوكرانيا تشويه الوعي والذاكرة التاريخية لملايين الأشخاص الذين يعيشون في هذا البلد ومن جميع الأجيال ، واستغلت الحركات القومية المتطرفة في أوكرانيا هذا الوضع من أجل تصعيد الحالة العدائية ضد روسيا ، وصولاً إلى المطالبة بحقوق كاذبة في التراب الإقليمي الروسي . وبطبيعة الحال ، لم يكن الغرب في منأى أو بريئاً مما يجري ، بل لعب منذ البداية دور المحرض الذي أغرى القوميات المتطرفة في أوكرانيا بوعود الانضمام للاتحاد الأوروبي والحصول على المساعدات والحماية العسكرية ، مقابل رفع مستوى العداء والتهديد ضد روسيا الاتحادية . بطبيعة الحال ، نفذ صبر أهل دونيتسك ولوهانسك في مواجهة ممارسات القمع والتمييز التي تبناها القوميون المتطرفون في أوكرانيا ، الذين انقلبوا على الحكومة الشرعية في كييف في شهر شباط 2014 ، وسارعوا في اتخاذ خطواتٍ عدائية وخطيرة ضد روسيا الاتحادية ، وقدموا فروض الطاعة والتبعية مباشرةً إلى واشنطن وبعدها إلى بروكسل . وفي مواجهة ذلك ، تصاعدت حدة المظاهرات في دونيتسك ولوهانسك ، وتمكَّنت المقاومة الشعبية في هاتين المنطقتين من السيطرة على مساحات شاسعة ، وتم إعلان تشكيل جمهورية دونيتسك الشعبية وجمهورية لوهانسك الشعبية على الحدود مع روسيا في أيار 2014 .
إن من يقرأ التاريخ والجغرافية المشتركة بين روسيا وأوكرانيا بحيادٍ ونزاهة ، سيصل إلى قناعةٍ مطلقة بأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لم يتخليا في يومٍ من الأيام عن السياسة العدوانية والتوسعية تجاه روسيا والصين وكل الدول التي لا تخضع للهيمنة الغربية ، بل كانا يعملان منذ تفكك الاتحاد السوفيتي وإلى اليوم على استهداف عوامل الأمن والاستقرار في أوراسيا ، وعلى طمس اعتبارات الجغرافية السياسية ، وتجاهل الخلفيات القومية في تلك المنطقة الهامة من العالم والغنية بثرواتها الطبيعية ومصادر الطاقة والفحم ، والتي كانت وستبقى المحرك الأساسي لغرائز الغرب ووحشيته في كل مكان ، هذا إلى جانب الهدف الرئيسي المتمثل في حصار وإضعاف كل دولة مستقلة وقوية لا تخضع للهيمنة الأمريكية على العالم .
اليوم ، يسعى الغرب ولأهداف واضحة إلى استغلال الآلة الإعلامية المُوجَّهة ، من أجل الترويج لروايةٍ وتبسيطٍ ساذجين حول عوامل الأزمة الحالية ، وذلك من خلال تقزيم الصورة الحقيقية والأوسع لأسباب الأزمة الحالية . هذه الآلة الإعلامية الغربية باتت بكل أسف مجرد بوقٍ تحريضي يصب الزيت على النار ، وهي تزعم كاذبةً اليوم بأن لروسيا أطماعاً متجذرة في الأرض الأوكرانية ، وأن موسكو تريد احتكار ” حقٍ مزعوم ” لكييف في الالتحاق بالديموقراطية الغربية والانضمام إلى حلف شمال الأطلسي ، بل وتتهم روسيا بكل وقاحة بأنها هي من تتمدد في المنطقة لتصل إلى حدود الاتحاد الأوروبي ..
تتجاهل هذه الآلة الإعلامية الغربية المُوجَّهة عن عمد حقيقة أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يخططان ويعملان منذ عقود مضت على إضعاف الخاصرتين الغربية والجنوبية لروسيا الاتحادية ، سواء من خلال إسقاط الحكومة الشرعية في كييف في العام 2014 بعد أن جمدت إجراءات الانضمام للاتحاد الأوروبي ، أو من خلال فرض العقوبات الاقتصادية على بيلاروس واستهداف حكومتها الشرعية والأمن والاستقرار فيها ، أو من خلال نشر صواريخ الناتو الباليستية والبعيدة المدى في دول شرقي أوروبا وتوجيهها نحو الأراضي الروسية ، أو حتى من خلال الانسحاب من أفغانستان وتركها عرضةً لمخاطر الإرهاب والتطرف من جديد ، أو من خلال تأجيج النزاع بين أذربيجان وأرمينيا ، أو من خلال استهداف الاستقرار والأمن في كازاخستان كما جرى مؤخراً .
بالمحصلة ، هناك في واشنطن وبروكسل من يريد أن تتخلى موسكو عن مصالحها الوطنية العليا ، وعن أمنها وعوامل قوتها في إطارها الوطني وفي إطار محيطها الجغرافي والتاريخي الطبيعي ، وعن مركزها كقوة ثقلٍ سياسي واقتصادي وعسكري إيجابي في العالم . وبكلماتٍ واضحة ، هناك من يريد من موسكو اليوم ، ومن بكين غداً ، أن تتخلى عن رؤيتها نحو عالمٍ متعدد الأقطاب ، وأن تستسلم لحقيقة وجود قطبٍ واحد في واشنطن يحرك العالم كما يشاء ، ويستخدم الاتحاد الأوروبي كأداةٍ في ترسيخ هذه القطبية الأحادية ….
بكل وضوح ، لا أحد مقتنعٌ اليوم بوجود موقفٍ أوروبي موحد تجاه الأزمة الحالية ، بل وأراهن على أن العديد من دول الاتحاد الأوروبي كان يريد تجنب الصدام وكان مقتنعاً ضمنياً بأن القارة الأوروبية ستكون الخاسر الأكبر في حال تصاعدت المواجهة مع روسيا الاتحادية. ولكن هذه القناعات لم تكن مدعومة بجهودٍ وسياسة جديتين من قبل الاتحاد الأوروبي، بل بقي الأوروبيون يتحدثون عن “حق أوكرانيا” في الانضمام إلى حلف الناتو، ويتجاهلون ولسنوات مصادر القلق الروسية الوجودية والمصيرية من نشر الصواريخ الباليستية شرقي أوروبا، ومن محاولات إثارة الفوضى والقلاقل الداخلية والنزاعات الحدودية في دول الجوار من أوكرانيا إلى بيلاروس وكازاخستان وأذربيجان وأرمينيا، وأخيراً وليس آخراً توسع الناتو شرقاً نحو الحدود الروسية.
بطبيعة الحال، حين أتحدث عن الخسائر التي سيتكبدها الاتحاد الأوروبي نتيجة التورط في مواجهة غير منطقية مع روسيا الاتحادية، فأنا لا أتحدث عن خسائر اقتصادية ومالية وعن إمدادت الغاز فحسب، بل أتحدث عن خسائر جدية بعيدة المدى ترتبط بموقع الاتحاد الأوروبي عالمياً وبالوضع الأمني والسياسي والاجتماعي في القارة الأوروبية، وبأمن منطقة المتوسط بأسرها، حيث لا أحد يستفيد من اهتزاز هذا الموقع ومن ضعضعة الأمن والاستقرار في أوروبا والمتوسط سوى واشنطن، التي لطالما اعتمدت عقيدةً سياسية قائمة على الاستثمار في ربط الذهب بالدولار والسيطرة على منابع وأسواق النفط والغاز والمعادن، إلى جانب الاستثمار في القوة العسكرية. أما الأهم، فهو الاستثمار في موقع الولايات المتحدة الجغرافي الذي يجعلها في منأى عن الاستهداف العسكري المباشر… وأنتم تدركون جيداً أبعاد ما أقول، وتذكرون حتى الوحشية التي تعاملت بها الولايات المتحدة مع اليابان ومع العراق ومع أفغانستان، في أعقاب هجمات “بيرل هاربر” أثناء الحرب العالمية الثانية، وفي أعقاب هجمات التاسع من أيلول 2001 .
هنا دعوني وبشكلٍ سريع ألقي الضوء على الموقف البريطاني بشكلٍ خاص. فالحكومة البريطانية، التي خرجت من الاتحاد الأوروبي رغم أنه يشكل بُعدها وامتدادها الجغرافي والسياسي والاقتصادي والأمني الطبيعي، تُمارس اليوم سياسةً خارجية خطيرة مبنية على انسجامٍ مطلق مع الرغبات والأجندات الأمريكية في منطقة أوراسيا، وذلك على حساب علاقاتها الطبيعية والجغرافية والتاريخية مع جيرانها الأوروبيين، وعلى حساب أمن واستقرار منطقة المتوسط بأسرها ، نحن نعتقد بشدة أن الولايات المتحدة تحديداً لم تملك في يومٍ من الأيام إرادةً حقيقية ولا نوايا حسنة ولا حرصاً عملياً على إنجاح التواصل الدبلوماسي مع موسكو، وعلى تغليب الحلول السلمية التي من المفترض أن تراعي مصادر القلق الأمنية واعتبارات الجغرافيا والتاريخ الراسخة التي تجمع بين شعوب روسيا والدول المجاورة لها… العقيدة الأمريكية والغربية واضحة، فهي ترفض الاعتراف بمبادئ راسخة في العلاقات الدولية وفي الميثاق، وفي مقدمتها مبدأ احترام السيادة الوطنية للدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، بل وتجاهر هذه القوى الغربية علناً اليوم ومن على منابر الأمم المتحدة بأنها تُعطي الأولوية لمبدأٍ مزيف وخلافي، أطلقوا عليه اسم “المسؤولية عن الحماية” من أجل التدخل في أي مكان في العالم لنشر الديموقراطية وحماية المواطنين. بالمحصلة، لا يمكن أن نشهد على المدى المنظور إداراتٍ وقياداتٍ وزعامات أمريكية أو أوروبية تسعى جدياً إلى مقارباتٍ ترتبط بمصالح جميع الأطراف وأهدافها في تحقيق الأمن والاستقرار ومنع التصعيد وتجنب التوتر والعنف .
فيما يخص أوكرانيا، نحن نعتقد بكل أسف أنها باتت منذ العام 2014 تحديداً خاضعةً بشكلٍ مفزع لتياراتٍ سياسية متطرفة وغير واقعية، تريد إقناع الشعب الأوكراني، ولا سيما الشباب منه، بأن روسيا هي العدو، وأن عوامل الأمن والاستقرار والرفاه ستتحقق بالتبعية للولايات المتحدة فقط. هذه التيارات القومية المتطرفة، القريبة في عقيدتها إلى النازية المتوحشة، جنحت دون وعيٍ أو تفكير إلى التباعد والعداوة مع الجار التاريخي، وصارت تلهث وراء الوعود الغربية الكاذبة. ولذلك، فإننا نعتقد أن أوكرانيا هي الخاسر الأكبر، لأن النظام السياسي فيها اختار أن يحوِّل البلاد إلى ساحة صراع ورأس حربة ضد روسيا، مقابل سراب المستقبل الأوروبي والدعم الأطلسي، الذي لم يفعل شيئاً لأوكرانيا اليوم سوى تزويدها بالمزيد من الأسلحة من أجل إطالة أمد الحرب والدمار، وتعميق الخلاف بين الطرفين ، نحن نعتقد أن الأصدقاء في موسكو مارسوا منذ اللحظات الأولى لوصول الإدارة الأمريكية الديموقراطية إلى البيت الأبيض سياسةً منفتحة وبنَّاءة، بل وضبطوا النفس طويلاً في مواجهة العقوبات الاقتصادية التي ارتفعت وتيرتها كثيراً خلال العام الماضي ، ولكن، وفي نفس الوقت، كان الأصدقاء والحلفاء في موسكو حازمين وواضحين في رسائلهم إلى الغرب، حيث أكدت القيادة الروسية أن ما يفعله الناتو في شرقي أوروبا يخرق الاتفاقات والتفاهمات السابقة، ويضرب مبدأ حسن الجوار في الصميم، ويرقى إلى مستوى العدوان، ويهدد أمن روسيا وحلفائها ، لذلك، أوضح المسؤولون الروس في أكثر من مناسبة أن مقترحات الرئيس فلاديمير بوتين من أجل التوصل إلى تفاهماتٍ مكتوبة على الأمن الجماعي لن تبقى على الطاولة إلى ما لا نهاية، ولا سيما أن السلوك الأمريكي والأوروبي المتحاذق كان جلياً، فهم أصروا على إضاعة الوقت والتهرب من الاستحقاقات ومن الحوار الجدي حول مستلزمات الأمن، وفي نفس الوقت كانوا ينشرون الصواريخ بعيدة المدى، ويحرضون المتطرفين في كييف ضد موسكو، ويسعون إلى نشر الفوضى الداخلية في الدول المحيطة بروسيا، ويفرضون العقوبات الاقتصادية على الشعب الروسي، ويبشرون بالنزاعات والصراعات، ويمتنعون عن تقديم أي مقترح جدي من شأنه الأخذ بمصادر القلق الروسية المشروعة والتي يُقرِّها القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة .
دعوني أشير سريعاً هنا إلى مسألةٍ في غاية الأهمية، وهي تتعلق بانسحاب الإدارة الأمريكية السابقة من العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ومن بينها اتفاق باريس للمناخ، ومن اتفاقاتٍ تاريخية مع روسيا الاتحادية بشأن الحد من الصواريخ الباليستية والصواريخ النووية متوسطة المدى، ومن الاتفاق الدولي على البرنامج النووي السلمي لجمهورية إيران الإسلامية. الإدارة الأمريكية الحالية اكتفت فقط بالعودة إلى اتفاق باريس للمناخ، وتقاوم اليوم العمل الجدي من أجل العودة للاتفاق مع إيران، وتتجاهل العودة إلى التزاماتها السابقة في مجالات الحد من التسلح النووي ومن الصواريخ البالستية بعيدة المدى. وفي المقابل، تريد واشنطن نصب صواريخ الناتو في بولونيا وأوكرانيا وعلى حدود روسيا، ثم تتهم موسكو بكل وقاحة باستهداف السلم والأمن والاستقرار !!
فيما يخص ما جرى في اليومين الماضيين في الجمعية العامة للأمم المتحدة واستغلال الغربيين لقرار هذه الجمعية رقم 377 تاريخ 3 تشرين الثاني1950، الذي حمل عنوان “الاتحاد من أجل السلم”، وذلك بهدف تجاوز صلاحيات مجلس الأمن وتحميل الجمعية العامة مسؤولية اتخاذ إجراءٍ غير ملزم أصلاً ضد روسيا الاتحادية، فإن من المهم فهم السياق التاريخي لصدور ذلك القرار المعنون “الاتحاد من أجل السلم”، فهو جاء بمبادرة أمريكية غير بريئة تهدف إلى توسيع صلاحيات الجمعية العامة في ميدان حفظ الأمن السلم الدوليين، وقد حصل ذلك في ذروة الحرب الباردة وبهدف شرعنة التدخل العسكري الأمريكي في الحرب الكورية. ففي تلك السنة، أي 1950، تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية بطلبٍ مستعجل لانعقاد فوري لمجلس الأمن، وتم تكييف الحالة على أنها إخلال بالسلم والأمن، واستطاعت واشنطن دفع المجلس لاستصدار ثلاثة قرارات في شهري حزيران وتموز 1950، من أجل منح الغطاء القانوني للتدخل الأمريكي في الأزمة الكورية ، ويعود النجاح الأمريكي في استصدار تلك القرارات إلى مقاطعة الاتحاد السوفيتي جلسات مجلس الأمن الدولي حينها احتجاجاً على عرقلة الولايات المتحدة وحلفائها حصول الممثلين الشرعيين لجمهورية الصين الشعبية على حقهم في تمثيل بلدهم في الأمم المتحدة. ولكن ونتيجة تطورات الأزمة الكورية، قرر الاتحاد السوفيتي العودة إلى اجتماعات مجلس الأمن لوضع حدٍ لشرعنة التدخل الأمريكي في الحرب الكورية، وخشيت الولايات المتحدة عرقلة الفيتو السوفيتي لمخططاتها وتدخلاتها في شبه الجزيرة الكورية ، فقرَّرت أن تتقدم إلى الجمعية العامة بمقترحات نصت صراحة على تحمل الجمعية العامة مسؤوليات محددة في حفظ السلم والأمن الدوليين، وذلك في حالة عدم تمكن مجلس الأمن من القيام بذلك بسبب استعمال أحدى الدول الكبرى لحق النقض. فكان ما كان وصدر قرار الجمعية العامة المعنون “الاتحاد من أجل السلم” .
أما إذا أردنا التعليق على ما جرى في اليومين الماضيين، وعن الواقع الذي تعيشه الأمم المتحدة اليوم، فإننا نستطيع القول إنه يخضع بكل أسف لاعتباراتٍ غير مهنية وغير متوازنة، ولا يزال رهين حالةٍ مستعصية من الاستقطاب السياسي والمالي الذي تمارسه الولايات المتحدة وحلفاؤها، مستغلين نفوذهم الاقتصادي والسياسي والعسكري. ولو كان للأمم المتحدة أن تتدخل وتصدر قرارات وتوصيات غير ملزمة تحت عنوان “الاتحاد من أجل السلم”، فإن قائمة الانتهاكات الأمريكية للسلم والأمن الدوليين طويلة ولا تنتهي… لقد اطلعت أول البارحة على تغريدةٍ مهمة لزميلي وصديقي وزير خارجية جمهورية الصين الشعبية، عرض فيها لقائمة التدخلات الأمريكية في العديد من دول العالم منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، والتي بلغ عددها أربعاً وستين حالة شهدت أعمال العدوان والغزو والحصار الاقتصادي والقصف والاغتيال والعمل على تغيير وإسقاط الحكومات الشرعية
أعلم أن الجميع اليوم يطرح تساؤلاً مفاده “أين نحن في سورية مما يجري؟”، وهو تساؤلٌ مشروع وترتبط الإجابة عليه أساساً بالمعركة التي نخوضها نحن والحلفاء في روسيا الاتحادية ضد الإرهاب وداعميه على الأرض السورية، كما وترتبط بمستوى العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية المتينة بين البلدين، وبالحوار والتنسيق الاستراتيجي القائم والمستمر بين القيادتين في دمشق وموسكو ، هذا يعيدنا من جديد إلى ما أكد عليه السيد الرئيس بشار الأسد للرئيس فلاديمير بوتين خلال المحادثة الهاتفية التي جرت يوم الجمعة المنصرم، وعلى أن ما يحصل اليوم هو تصحيحٌ للتاريخ وإعادةٌ للتوازن إلى العالم، ودفاعٌ عن العالم وعن مبادئ العدالة والإنسانية. ولذلك، فإن سورية، وكما قال السيد الرئيس، تقف مع روسيا الاتحادية انطلاقاً من قناعتها بصوابية موقفها، ولأنّ مواجهة توسع الناتو هو حقٌ لروسيا، باعتباره أصبح خطراً شاملاً على العالم وتحوَّل إلى أداةٍ لتحقيق السياسات غير المسؤولة للدول الغربية لضرب الاستقرار في العالم .
نحن اخترنا منذ عهد القائد الخالد تمتين العلاقات مع من يحترم سيادتنا واستقلالنا، ومع من يقدم لنا الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وأعني الاتحاد السوفيتي. واليوم، وبعد أكثر من عشر سنواتٍ من الحرب الإرهابية التي شُنَّت على سورية، لم يعد بمقدور أي طرف أن يعتبر الحياد أو الوقوف في الوسط خياراً، فنحن اخترنا طلب الدعم والمساعدة من الأصدقاء الروس في التصدي للإرهاب وداعميه، واخترنا تعزيز العلاقات والتحالف السياسي والاقتصادي والعسكري مع الأصدقاء في موسكو، لأننا نتشاطر في النهاية المبادئ الإنسانية والسياسية العليا ذاتها، ونملك رؤيةً مشتركة نحو عالمٍ متعدد الأقطاب، ونحو علاقاتٍ دولية قائمة على احترام مبادئ السيادة والاستقلال وحق جميع شعوب العالم في الرفاه والأمن.
اليوم، لا تزال سورية تشهد تدخلاً عسكرياً عدوانياً مما يسمى التحالف الدولي غير الشرعي الذي تقوده قوات الاحتلال الأمريكي، ولا تزال سورية تشهد عدواناً واحتلالاً تركياً لجزءٍ من أرضنا ورعايةً للإرهاب في إدلب ومحيطها وفي شمالي البلاد، ولا تزال سورية تتعرض لحملةٍ عدوانية شرسة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تتمثل في أقسى حصار اقتصادي يمكن أن يتعرض له شعبٌ من شعوب العالم، وفي تهديد وابتزاز كل طرفٍ خارجي يفكر أو يخطط لمساعدتنا على إعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية ومحطات الكهرباء والطرق، هذا إلى جانب سرقة مواردنا الطبيعية وقمحنا وقطننا ومياهنا، وعرقلة تحقيق الاستقرار والتسوية النهائية، ومنع السوريين من العودة إلى بيوتهم وحياتهم الطبيعية، وحماية وتمويل وتسليح الإرهاب في الشمال الغربي والجماعات الانفصالية المسلحة غير الشرعية في الشمال الشرقي، التي تسرق النفط والغاز والقمح، وتفتح مراكز اعتقالٍ لإرهابيي داعش وأطفالهم تحت رعاية الاحتلال الأمريكي، من أجل استخدام هذا السلاح البشري الخطير في يومٍ من الأيام وفي أي مكانٍ في العالم لتهديد السلم والأمن وتحقيق أجندات توسعية وهمجية خطيرة تسعى لترسيخ القطبية الأحادية بكل وحشية ..
أعتقد، بل وأجزم أن قائمة الممارسات والانتهاكات الأمريكية والغربية والتركية والإسرائيلية ضدنا هي أطول بكثير مما ذكرتُ للتو، وأجزم أنكم جميعاً لا يمكن أن تنسوا الدعم الأمريكي غير المحدود للاحتلال الإسرائيلي، ولا تنسوا أن الإدارة الأمريكية السابقة اعترفت بسيادةٍ إسرائيلية وهمية ومزيفة على الجولان السوري المحتل، وأن الإدارة الحالية التزمت بهذا الاعتراف الذي ينتهك الشرعية الدولية والقانون الدولي. إن هذا الجيل من السوريين والأجيال السابقة واللاحقة لن تنسى من وقف معها ومن وقف ضدها. ولذلك، فإنني أعيد التأكيد على حقيقة أن القيادة السورية كانت على الدوام تعكس نبض الشارع السوري العربي، وهي لم تتخلَّ في يومٍ من الأيام عن مواقفها ومبادئها، ولم تمارس الحياد السلبي في يوم من الأيام، وستبقى تبني علاقاتها الاستراتيجية على أسس احترام السيادة الوطنية وحق جميع شعوب العالم في الاستقلال وتقرير المصير والأمن والرفاه دون تمييز ولا انتقائية ، بالنتيجة، فإننا نعود إلى الخلاصات التي عبَّر عنها السيد الرئيس في حديثه مع الرئيس فلاديمير بوتين، فالعدو الذي يجابهه الجيشان السوري والروسي واحد، وفي سورية هو تطرفٌ وفي أوكرانيا هو نازية، ونحن نقف مع الأصدقاء والحلفاء في روسيا الاتحادية، وواثقون رغم التحديات أن هذا البلد الصديق سيعطي درساً للعالم بأن الدول العظمى لا تكون عظمى بقوتها العسكرية فقط، وإنما باحترام القانون والأخلاق العالية والمبادئ الإنسانية .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*




Enter Captcha Here :

شباب وجامعات